رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي
قبل اجتماع الأربعاء، تُسعر وول ستريت رفع الفائدة نيابةً عن الاحتياطي الفدرالي. العقود تمنح زيادة بمقدار 25 نقطة أساس احتمالًا يقارب 40%، وتسعّر 28 نقطة أساس من التشديد حتى سبتمبر، ثم 45 نقطة أساس حتى نهاية العام. السوق تتعامل مع كيفن وارش كأنه يستعد لفتح دورة رفع جديدة، رغم أن آخر بيانات التضخم قدّمت له الحجة الأقوى للانتظار.
قراءة التضخم الأساسي في يونيو جاءت شديدة الهدوء مقارنةً بالمسار المسجل منذ 2023. لا تظهر في الأرقام موجة طلب ساخنة، ولا تسارعًا يحتاج إلى كبح عاجل. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات والوظائف المكتبية، تزداد مخاطر ضعف التوظيف والأجور خلال المرحلة المقبلة. هذا يجعل الخوف من تباطؤ الأسعار والنشاط أكثر جدية من فكرة عودة اقتصاد محموم.
السوق تسمع لهجة وارش وتتجاهل البيانات
وارش دخل رئاسة الفدرالي بخطاب متشدد حول استقرار الأسعار، والمستثمرون أخذوا كلماته إلى أبعد نقطة. كل حديث عن المصداقية، وكل تحذير من التضخم، تحوّل في تسعير العقود إلى زيادة محتملة في الفائدة.
لكن السياسة النقدية لا تُبنى على نبرة الرئيس وحدها. قراءة التضخم في يونيو كانت أضعف بصورة استثنائية، ولا تقدم سببًا مقنعًا للتحرك هذا الأسبوع.
الفدرالي يستطيع الحفاظ على لهجة صقورية، والتأكيد أن التضخم لم يصل بعد إلى الهدف، وترك باب الرفع مفتوحًا إذا عادت الضغوط من أسعار النفط بفعل التوترات الجيوسياسية. لكنه لا يحتاج إلى استخدام السلاح في اللحظة التي بدأت فيها البيانات تتحرك لمصلحته، حتى ولو كان الخوف من عدم اليقين مرتفع.
الأسواق رفعت توقعاتها بسرعة لأن وارش جديد في المنصب، ولأنها تحاول اكتشاف حدود تشدده في وعوده لاستقرار الأسعار. إذا استجاب لها، ستعتبر ذلك تأكيدًا بأن خوف الفدرالي أكبر.
25 نقطة أساس قد تشدد السوق أكثر من الفدرالي
الخطر الأكبر لا يكمن في الزيادة نفسها، وإنما في رد فعل المستثمرين بعدها.
رفع الفائدة عقب قراءة تضخم هادئة سيدفع السوق إلى استنتاج أن الفدرالي أصبح أكثر حساسية للأسعار وأقل استعدادًا للانتظار. عندها قد ترتفع التوقعات من زيادتين تقريبًا إلى ثلاث زيادات خلال فترة قصيرة، حتى من دون تغير في البيانات.
هذا يعني صعود عوائد السندات القصيرة، وارتفاع الدولار، وتشدد شروط الائتمان، وهبوط تقييمات الأسهم. الفدرالي سيجد نفسه أمام أوضاع مالية أشد تقييدًا مما خطط له، ثم يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة.
القرار سيخلق أيضًا مشكلة تواصل بين الأسواق والفدرالي. إذا كانت بيانات يونيو تستحق رفعًا، فما نوع القراءة التي ستسمح بالتوقف؟؟!! وإذا رفع الفدرالي مرة واحدة ثم ثبت الفائدة، ستتهمه السوق بالتردد. وإذا واصل الرفع لحماية صورته، قد يدفع الاقتصاد إلى تباطؤ لا تستدعيه الأرقام الحالية.
وارش يعرف أن الأسواق لا تسعّر الخطوة وحدها. هي تسعّر ما تعتقد أن الخطوة تكشفه عن الاجتماعات التالية.
الذكاء الاصطناعي يضيف خطرًا لا يظهر كاملًا في التضخم
جزء من الرهان المتشدد يفترض أن الاقتصاد الأميركي ما زال قادرًا على تحمل فائدة أعلى. هذا الافتراض قد يكون صحيحًا اليوم، لكنه لا يلتقط التحول الجاري في سوق العمل.
الذكاء الاصطناعي بدأ يقلل الحاجة إلى بعض الوظائف المكتبية والخدمات المهنية. اتساع هذه الموجة سيضغط على الأجور، ويضعف قدرة الأسر على الإنفاق، ويخفض أسعار عدد من الخدمات التي كانت تعتمد على العمالة مرتفعة الكلفة.
اقرأ أيضاً: اجتماع الفدرالي.. ما الذي يتعين مراقبته؟
هذه قوة انكماشية قد تظهر تدريجيًّا في 2027. رفع الفائدة قبل اتضاح أثرها قد يضيف تشديدًا نقديًّا إلى تشديد تكنولوجي يحدث داخل سوق العمل.
لهذا يبدو تسعير زيادات متتالية خلال العامين المقبلين مبالغًا فيه. التضخم الحالي لا يقدّم مبررًا كافيًا، والتحولات في التوظيف تميل إلى خفض الضغط على الأسعار مع مرور الوقت.
التثبيت هو القرار الأكثر تشددًا في المكان الصحيح
عدم رفع الفائدة لا يعني أن وارش فقد صرامته. التثبيت يمنحه مساحةً أوسع للتحرك لاحقًا، ويحرم السوق من بناء مسار كامل على قرار واحد، ويضع التركيز من جديد على البيانات.
يستطيع وارش أن يخرج من الاجتماع برسالة قوية؛ التضخم ما زال فوق الهدف، والفدرالي مستعد للتحرك إذا عادت الضغوط، ولا توجد حاجة الآن إلى زيادة استباقية بعد قراءة يونيو.
هذا النوع من الرسائل يحافظ على المصداقية من دون تشديد غير ضروري. كما يمنع السوق من دفع العوائد والدولار إلى مستويات قد تضغط على الاقتصاد أكثر مما تريد اللجنة.
اجتماع الأربعاء لا يختبر استعداد وارش لرفع الفائدة. يختبر قدرته على رفض قرار تحاول السوق دفعه إليه.
وول ستريت وضعت اللغم أمامه،،، الخطوة الأذكى هي ألّا يطأه.
*المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي صاحبها
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي